ابن كثير
175
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
سبحانه وتعالى : وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ يعني المشركين اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ أي شهيد على أعمالهم يحصيها ويعدها عدا ، وسيجزيهم بها أوفر الجزاء وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ أي إنما أنت نذير واللّه على كل شيء وكيل . [ سورة الشورى ( 42 ) : الآيات 7 إلى 8 ] وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ ( 7 ) وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ ما لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ ( 8 ) يقول تعالى وكما أوحينا إلى الأنبياء قبلك أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيًّا أي واضحا جليا بينا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وهي مكة وَمَنْ حَوْلَها أي من سائر البلاد شرقا وغربا ، وسميت مكة أم القرى لأنها أشرف من سائر البلاد لأدلة كثيرة مذكورة في مواضعها ، ومن أوجز ذلك وأدله ما قال الإمام أحمد « 1 » : حدثنا أبو اليمان حدثنا شعيب عن الزهري حدثنا أبو سلمة بن عبد الرحمن قال : إن عبد اللّه بن عدي بن الحمراء الزهري أخبره أنه سمع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول وهو واقف بالحزورة « 2 » في سوق مكة « واللّه إنك لخير أرض اللّه وأحب أرض اللّه إلى اللّه ولولا أني أخرجت منك ما خرجت » « 3 » وهكذا رواية الترمذي والنسائي وابن ماجة من حديث الزهري به وقال الترمذي حسن صحيح . وقوله عز وجل : وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ وهو يوم القيامة يجمع اللّه الأولين والآخرين في صعيد واحد وقوله تعالى : لا رَيْبَ فِيهِ أي لا شك في وقوعه وأنه كائن لا محالة . وقوله جل وعلا : فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ كقوله تعالى : يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ [ التغابن : 9 ] أي يغبن أهل الجنة أهل النار ، وكقوله عز وجل : ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ وَما نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ [ هود : 103 - 105 ] . قال الإمام أحمد « 4 » حدثنا هاشم بن القاسم حدثنا ليث حدثني أبو قبيل المعافري عن شفي الأصبحي عن عبد اللّه بن عمرو رضي اللّه عنهما قال : خرج علينا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وفي يده كتابان فقال : « أتدرون ما هذان الكتابان ؟ » قال : قلنا لا إلا أن تخبرنا يا رسول اللّه . قال صلى اللّه عليه وسلم للذي في يده اليمنى : « هذا كتاب من رب العالمين بأسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم - ثم
--> ( 1 ) المسند 4 / 305 . ( 2 ) الحزورة : موضع بمكة . ( 3 ) أخرجه الترمذي في المناقب باب 68 ، وابن ماجة في المناسك باب 103 ، والدارمي في السير باب 66 . ( 4 ) المسند 2 / 167 .